السيد نعمة الله الجزائري
69
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
« وهاجر إلى بلاد الغربة » أي المدينة وإن كانت واحدة لأنه مجاز شائع ، وقد تكلف لتصحيح الجمعية بشمول المهاجرة للأمر بها لدخول جعفر وأضرابه الذين هاجروا إلى بلاد الحبشة ، وقال بعض المحققين يمكن أن تحمل المهاجرة على مهاجرة نفس النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم المجردة عن شوائب التعلقات المادية من موطنها الأصلي ، أعني شراشر أعضائه الجسمانية إلى عوالم الملكوت واللاهوت الذي هو غريب بالنسبة إلى هذا الموطن الذي نشأت منه حركة نفسه المجردة إلى عوالم المجردات ، وهبطت نفسه الشريفة بقواه الدراكة حين الوقوع والنزول على هذه الأعضاء الشريفة ، وأتعب نفسه في مبادئ حالاته إلى هذا الموطن ، فيكتسب بهذه المهاجرة الروحانية إلى عوالم الجبروت بالوحي والإلهام الرباني والأحكام الإلهية والشرائع الدينية التي بها يعز الدين المبين ، انتهى ، وهو قريب من تحقيقنا السابق . « ومحلّ النّأي عن موطن رحله » النأي مصدر بوزن النصر ، وفي ش النائي اسم فاعل أي الشخص البعيد ، والرحل مسكن الرجل والمراد به مكة شرفها اللّه تعالى . « ومسقط رأسه » بفتح القاف وكسرها وهو الشائع ، لأن مضموم العين في المضارع يجوز فيه الفتح أيضا وإن لم يسمع ، وهو كناية عن موضع الولادة ، لما استفاض في الأخبار من أن النبي وأهل بيته عليهم السّلام ينزلون من بطون الأمهات مستقبلين الأرض بأرجلهم المباركة ، لا أنهم يسقطون على رؤوسهم كغيرهم لأن فيه تحقيرا لشأنهم ، ولأن سببه زجر الملك للمولود وهو في بطن أمه حتى يصير منكوسا بعد أن كان واقفا في بطن أمه ، وذلك لا متناعه من الخروج ، وأي ملك يقدر أن يزجرهم عليهم السّلام . « ومأنس نفسه » وقد استدل بهذه الفقار على أشرفية مكة على سائر البقاع ، وظاهر الشهيد طاب ثراه دعوى الإجماع عليه وليس هو في محله ، لأن بعض الأصحاب قد ذهب إلى أشرفية أرض قبور الأئمة عليهم السّلام على غيرها ، وهو الحق عندي لدلالة الأخبار عليه ،